القرآن : فضله - وحرمة هجره - أبو حاتم السالمي

قسم خاص بتفريغ خطب و محاضرات علماء و مشايخ أهل السنة

المشرف: محمد عادل أبو زيد

أبو حاتم السالمي
مشاركات: 42
اشترك في: الاثنين يناير 18, 2016 11:38 pm

القرآن : فضله - وحرمة هجره - أبو حاتم السالمي

مشاركةبواسطة أبو حاتم السالمي » الأربعاء مارس 02, 2016 1:14 am


فإن القرآن العظيم هو كِتَابُ اللَّهِ .. فِيهِ نَبَأُ مَا قَبْلَكُمْ ، وَخَبَرُ مَا بَعْدَكُمْ ، وَحُكْمُ مَا بَيْنَكُمْ ، هُوَ الْفَصْلُ لَيْسَ بِالْهَزْلِ ، هُوَ الَّذِي مَنْ تَرَكَهُ مِنْ جَبَّارٍ قَصَمَهُ اللَّهُ ، وَمَنِ ابْتَغَى الْهُدَى فِي غَيْرِهِ أَضَلَّهُ اللَّهُ ، وهُوَ حَبْلُ اللَّهِ الْمَتِينُ ، وَهُوَ الذِّكْرُ الْحَكِيمُ ، وَهُوَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ ، وَهُوَ الَّذِي لَا تَزِيغُ بِهِ الْأَهْوَاءُ ، وَلَا تَلْتَبِسُ بِهِ الْأَلْسِنَة ، وَلَا يَشْبَعُ مِنْهُ الْعُلَمَاءُ ، وَلَا يَخْلَقُ عَنْ كَثْرَةِ الرَّدِّ، وَلَا تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ ، وَهُوَ الَّذِي لَمْ يَنْتَهِ الْجِنُّ إِذْ سَمِعَتْهُ أَنْ قَالُوا (إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا)، مَنْ قَالَ بِهِ صَدَقَ، وَمَنْ حَكَمَ بِهِ عَدَلَ، وَمَنْ عَمِلَ بِهِ أُجِرَ ، وَمَنْ دَعَا إِلَيْهِ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ. فالقرآن كلام رب العالمين. نزل به الروح الأمين. على قلب سيد المرسلين. ليكون من المنذرين. بلسان عربي مبين.
تحدى الله به الثقلين فقال: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} ولما زعم أهل الشرك أن هذا القرآن ليس من عند الله, تحداهم الله بقوله: (فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين). فعجزوا وما استطاعوا. فتحداهم أن يأتوا بعشر سور من مثله (أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات) فعجزوا وما استطاعوا. فتحداهم أن يأتوا بسورة واحدة من مثله (وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين) فعجزوا وما استطاعوا.
وللقرآن فضل عظيم ومكانة عظيمة, فالله يرفع به أقواما ويضع به آخرين. يرفعهم بين الناس ولو كانوا من أقل الناس نسبا وبيتا. لما خرج نافع بن عبد الحارث يستقبل عمر بن الخطاب فلقيه بعُسْفَانَ فقال له عمر: من استخلفت على أهل مكة، قال: استخلفت عليهم ابنَ أبزى قال عمر: ومن ابنُ أبزي؟ قال: مولى من موالينا، قال عمر: فاستخلفت عليهم مولى! فقال: يا أمير المؤمنين رجل قارئ للقرآن، عالم بالفرائض، قاضٍ، فقال عمر: أما إن نبيكم قد قال: (إن الله يرفع بالقرآن أقواما ويضع آخرين)رواه مسلم. وهذا مشاهد وملموس قد جبل عليه الناس. وهو أن صاحب القرآن مرفوع القدر لديهم ... وقد قيل: العلم يرفع بيتا لا عماد له ** والجهل يهدم بيت العز والشرف يقول عنه النبي صلى الله عليه وسلم {لا حسد إلا في اثنتين : رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار ورجل آتاه الله مالا فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار في حقه}. بل بلغ من عظيم فضل القرآن؛ أن الله يحاسبك عليه بكل حرف حسنة وهذا والله من أعظم الغنيمة والكسب، فعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله: (من قرأ حرفا من كتاب الله فله حسنة والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول ألم حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف) رواه الترمذي
أما عن فضل أهل القرآن في الدنيا: فقد جاء في البخاري عن عثمان بن عفان قال: قال رسول الله : (خيركم من تعلم القرآن وعلّمه). وروى أحمد بسند صحيح مِن حديث أنس رضي الله عنه قال : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ للهِ أَهْلِينَ مِنْ النَّاسِ . فَقِيلَ : مَنْ أَهْلُ اللهِ مِنْهُمْ ؟ قَالَ : أَهْلُ الْقُرْآنِ ، هُمْ أَهْلُ اللهِ وَخَاصَّتُهُ . وقال صلى الله عليه وسلم قال :" وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلَّا حَفَّتْهُمْ الْمَلَائِكَةُ وَنَزَلَتْ عَلَيْهِمْ السَّكِينَةُ وَغَشِيَتْهُمْ الرَّحْمَةُ وَذَكَرَهُمْ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ " . وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم الفرق بين المؤمن الذي يقرأ القرآن ويتعاهده, وبين المؤمن الذي لا يقرأ القرآن فقال : (مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأترجة ريحها طيب، وطعمها طيب ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة لا ريح لها وطعمها حلو) متفق عليه
وأما فضل أهله عند الموت: فإن صاحب القرآن يقدم على غيره. فلقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد ثم يقول أيهم أكثر أخذا للقرآن؟ فإذا أشير له إلى أحدهما قدمه في اللحد. وقد قال عبدالله بن عباس رضي الله عنهما: "تكفل الله لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه: ألا يضل في الدنيا، ولا يشقى في الآخرة، ثم قرأ: ﴿ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ﴾.
أما فضل صاحب القرآن يوم القيامة: فإنه يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها. كما أن صاحب القرآن يجيء يوم القيامة فيقول القرآن: يَا رَبِّ حَلِّهِ ، فَيُلْبَسُ تَاجَ الْكَرَامَةِ ، ثُمَّ يَقُولُ : يَا رَبِّ زِدْهُ ، فَيُلْبَسُ حُلَّةَ الْكَرَامَةِ ، ثُمَّ يَقُولُ : يَا رَبِّ ارْضَ عَنْهُ ، فَيُقَالُ لَهُ : اقْرَأْ وَارْقَ، وَيُزَادُ بِكُلِّ آيَةٍ حَسَنَةً. وروى مسلم عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه).
هذا قليل من كثير في فضل القرآن وأهله. ولكن السؤال الآن: ماذا فعلنا مع قرآننا؟ مع كلام ربنا؟ تركناه إلى الرخيص من الكلام والهابط من الألحان. والله تعالى يقول: (أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ) ولسان حال الأكثرين يقول: نعم, استبدلنا الذي هو أدنى بالذي هو خير. ولكن الله تعالى يقول: {قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}.
هجرنا القرآن .. والنبي صلى الله عليه وسلم شكى لربه هجرَ أهلِ مكة للقرآن أي : تركَهم لتصديقه والعمل به ، وهذه شكوى عظيمة ، وفيها أعظم تخويف لمن هجر هذا القرآن العظيم: (وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَٰذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا). والله تعالى توعد بنفسه الذي يعرض عن القرآن ويهجره فقال: (وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْرًا مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاء لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلا). ثم يذكر الله تعالى لنا حال ذلك المعرض في الدنيا والآخرة فيقول: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى). ****************
أما بعد: فإنه يحرم هجر القرآن العظيم .. وهجر القرآن على أقسام:
1 – هجر سماع: فإذا تلي القرآن لا يسمع. وإذا سمع لا يعقل ولا يفهم. ولقد أثنى الله على من تلي عليه القرآن فتأثر لسماعه فقال: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ}. هذا شأن المؤمن عندما يستمع إلى كلام الله جل وعلا. {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ}
2 – هجر قراءة: فيمر على العبد اليوم واليومان والشهر والشهران وربما يمر عليه العام كاملا ولا يقرأ من كتاب الله شيئا. إننا يجب علينا أن نتخذ القرآن العظيم أنيسا لنا فى بيوتنا ومساجدنا ومجالسنا فلا يمر يوم إلا ونحن نعيش فيه مع القرآن قراءة وترتيلا قال تعالى (وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلًا) وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ} فكيف تبور تجارتهم وربحهم وافر؟! (من قرأ حرفاً من كتاب الله فله حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول آلم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف). فاحرص ياعبد الله على أن يكون لك ورد يومي لا تتخلف عنه أبداً.
3 - هجر تدبر: فيقرأ القرآن ولا يتدبر معانيه. إن القرآن نزل للتدبر والتفكر، والفهم والعمل، قال تعالى: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ} وقال (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) (أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا).
4 - هجر عمل: فالقرآن أحل أشياء وحرم أشياء, وأمر بأشياء ونهى عن أشياء. والعبد يقرأ القرآن؛ لكنه لا يعمل بتلك الأوامر ولا النواهي. يقيم حروف القرآن ويضيع أحكامه وحدوده. لقد كان الصحابة إذا تعلموا من النبي صلى الله عليه وسلم عشر آيات لم يتجاوزوها حتى يعملوا بما فيها. فتعلموا القران والعلم والعمل جميعا ، وهذا النوع من التلاوة هو الذي عليه مدار السعادة والشقاوة . إن آخر وصَايا النبي صلى الله عليه وسلم في حجَّة الوداع: التمسُّك بكتاب الله تعالى وبسُنَّة رسوله عليه الصلاة والسلام فقال: «تركتُ فيكم ما إن تمسَّكتم به لن تضلُّوا بعدي: كتابَ الله وسُنَّتي». فالقرآن حبلُ الله المتين، من تمسَّك به قادَه إلى رِضوان الله وإلى جنات النعيم، وهداه لكل خير وجنَّبَه كل شرٍّ ، قال الله تعالى: ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ﴾ وقال تعالى: ﴿ وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾.

العودة إلى “قسم تفريغات المحاضرات و الخطب”

الموجودون الآن

المستخدمون الذين يتصفحون المنتدى الآن: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين وزائر واحد